السيرة النبوية مصدر العلوم الإسلامية

 

 

السيرة النبوية مصدر العلوم الإسلامية

أولا: السيرة النبوية مصدر علم مصطلح الحديث:

    لقد استأثرت سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومغازيه باهتمام المؤرخين منذ صدر الإسلام، فكانت البواكير الأولى للرواد في هذا الفن من الصحابة رضوان الله عليهم الذين حفظوا لنا أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته الذاتية بكل جوانبها، وذلك عن طريق الخبر والرواية والحديث في بادئ الأمر، ثم تبع ذلك مرحلة التدوين والتصنيف[1].

    وقد شكل حرص الصحابة رضوان الله عليهم على ما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات وسيرة، والتوثق من أخباره عليه الصلاة والسلام ونقلها، هذا الحرص شكّل منهجا نقديا علميا رصينا، كان هو منطلق علماء مصطلح الحديث في إرساء قواعده ووضع قوانينه ومصطلحاته.

    من هنا تعتبر السيرة النبوية العطرة بأدلتها ونصوصها ووقائعها مصدرا يستشف منه قواعد اصطلاحية، ومناهج نقدية لعلم مصطلح الحديث.

    وقد أصبح علم المصطلح من الأهمية بمكان في مجال السيرة النبوية، فهو خادم لها باعتباره علما نثبت به صحة النسبة، أي نسبة المرويات إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو "علم بأصول وقواعد يعرف بها أحوال السند والمتن من حيث القبول والرد"[2].

    انطلاقا من هذا يمكن القول أن علاقة السيرة النبوية بعلم المصطلح هي علاقة استمداد واستناد؛ فعلم المصطلح استمد قوانينه من نصوص السيرة العطرة، والسيرة النبوية تستند على علم المصطلح في توثيق رواياتها.

    وهذا ما سأوضحه من خلال مسألتين:

المسألة الأولى: السيرة النبوية من مصادر علم المصطلح:

    إن الله سبحانه وتعالى خصّ الأمة الإسلامية دون غيرها من الأمم بفضائل كثيرة منها الإسناد، ونقل الخبر من قائله، أو رفع الحديث وإيصاله إلى قائله، وليس للأمم السابقة هذه الخصيصة[3]، ومن هنا تتضح أهمية التوثق في الروايات وضبط نقلها، وبالتالي أهمية علم المصطلح لكون موضوع هذا العلم هو الخبر سندا ومتنا.

    وقد برزت قيمة هذا العلم وأهميته منذ العهد النبوي؛ فباستقراء السيرة النبوية يتبين لنا أن أسس هذا العلم كانت متجلية آنذاك، وأصوله كانت متداولة.

    ومن الوقائع التي يمكن اعتبارها أساس قواعد علم المصطلح، ومن اللبنات الأولى لقوانينه:

1.   قصة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع جاره من الأنصار: والقصة أوردها الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، حتى حجّ وحججت معه، وعدل وعدلت معه بإداوة، فتبرز ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، قال: وا عجبا لك يا ابن عباس، هما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك...[4].

      من بين ما يستفاد من هذه الواقعة فيما يخص قوانين علم المصطلح ما يلي:

·    توثق الصحابة رضوان الله عليهم من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بسؤال من هو أعلم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا ابن عباس يقول: "لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب...".

·       الحرص على السماع من الشيخ مباشرة، يقول عمر رضي الله عنه: "كنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل يوما وأنزل يوما"، وهذا من أجل الأخذ من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة.

·       الحرص على الأخذ من النبي صلى الله عليه وسلم وسماع لفظ الحديث منه خشية رواية الحديث بالمعنى، وهذا هو مراد عمر رضي الله عنه عندما قال: "فإذا نزت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك".

·       حرص الصحابة رضوان الله عنههم على لقاء النبي صلى الله عليه وسلم والسماع منه، وهذا نجده ضمن شروط المحدث الناقد الإمام البخاري رضي الله عنه، حيث تميز على غيره من النقاد باشتراط المعاصرة مع اللقيا، قال ابن كثير: "والبخاري أرجح لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني بل اكتفى بمجرد المعاصرة"[5]، وهذا ما نجد عمر رضي الله عنه قد حرص عليه عندما قال: "كنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم"، وذلك من أجل لقاءه عليه السلام والأخذ عنه مشافهة.

2.   قصة الجساسة؛ روى الإمام مسلم في صحيحه أن فاطمة بنت قيس قالت: "...سمعت نداء المنادي، منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله صلى الله عليه، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: (ليلزم كل إنسان مصلاه)، ثم قال: (أتدرون لما جمعتكم؟) قالوا الله ورسوله أعلم، قال: (إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرا في البحر، ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ قالت أنا الجساسة..."[6] ، إلى آخر القصة وهي معروضة على طولها في صحيح مسلم.

    هذه القصة استنبط منها علماء المصطلح لفظ أداء الحديث، وهو لفظ "حدثني" في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم). وهذا اللفظ يدل على أخذ الحديث مشافهة، وسماع الحديث من راويه مباشرة، وهي أعلى مرتبة من مراتب تحمل الحديث، فتكون هذه القصة هي أصل قانون التحمل والأداء عند علماء مصطلح الحديث.

    والمراد بـ "طرق التحمل" هيئات أخذ الحديث وتلقيه عن الشيوخ، والمراد بـ "صيغ الأداء" العبارات التي يستعملها المحدث عند رواية الحديث وإعطائه للطلاب، مثل سمعت أو حدثني أو أخبرني[7].

    يقول الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: "وجوه الأخذ للحديث وتحمله عن الشيوخ ثمانية، فأرفع الأقسام وأعلاها عند الأكثرين السماع من لفظ الشيخ...وقل حدثني في حالة الأداء لما سمعته هكذا من لفظ الشيخ"[8].

    فحكاية النبي صلى الله عليه وسلم لهذه القصة بلفظ "حدثني" تعدّ أصلا لقاعدة تحمل وأداء الحديث عند علماء المصطلح لأنها تدل على سماع النبي صلى الله عليه وسلم مشافهة من تميم الداري، ولذلك عبّر عنها بـ "حدثني".

3.   واقعة جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: إن قضية العناية بالقرآن  الكريم كانت قضية محورية ومركزية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وخير دليل على هذا؛ حرص الصحابة رضوان الله عليهم على حفظه في الصدور والسطور، والتوثق في قراءته والتأكد من ألفاظه من النبي صلى الله عليه وسلم.

    روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الرحمان بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرئنيها، فكدت أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه، فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرسله، إقرأ) فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هكذا أنزلت)، ثم قال لي: (إقرأ)، فقرأت، فقال: (هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه)[9].

    وفي حديث آخر رواه الإمام مسلم أيضا عن أبيّ بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ، فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله عز وجل  فرقا، فقال لي: (يا أبيّ أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثانية اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثالثة: إقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها، فقلت اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم، حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم)[10].

    إن ما يستفاد من هذه الواقعة فيما يخص قوانين علم المصطلح؛ التوثق مما يروى، والتأكد من صحته وضبطه، وذلك برجوع الصحابة رضوان الله عليهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وضبط ما سمع منه نفسه عليه الصلاة والسلام.

    وضبط الراوي من شروط الحديث الصحيح عند علماء المصطلح؛ يقول ابن الصلاح في تعريف الحديث الصحيح: "أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا"[11].

    فكان حرص الصحابة على ضبط المرويات من رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا لهذا القانون أو لهذه القاعدة.

4.   نجد قاعدة الجرح والتعديل مبثوثة في سيرته صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة، فقد عدّل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، فعدّل أبا بكر رضي الله عنه، وعدّل عمر وعثمان وغيرهم رضوان الله عليهم جميعا، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "صعد النبي صلى الله عليه وسلم أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه برجله وقال: اثبت أحدا، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان"[12].

    كما أن لمبدأ الجرح أصل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام البخاري رضي الله عنهما أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة متى عهدتني فاحشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره)[13].

    في هذا الخبر دليل على أن إخبار الرجل ما في الرجل ليس بغيبة، إذ النبي صلى الله عليه وسلم ذمّه فقال: "بئس أخو العشيرة"، ولو كان هذا غيبة لم يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم. فهنا حكم النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل بما يخدش عدالته.

    وهذا هو ما يبحث فيه علم الجرح والتعديل، يقول الحافظ ابن حجر في معرفة الجرح والتعديل وأهميته: "ومن المهم معرفة طبقات الرواة ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم وأحوالهم تعديلا وتخريجا وجهالة..."[14].

    ويبين ابن الأثير الجرح والتعديل بقوله: "الجرح: وصف متى التحق بالراوي و الشاهد سقط الاعتبار بقوله، وبطل العمل به. والتعديل: وصف متى التحق بهما اعتبر قولهما وأخذ به"[15].

    هذا هو تعريف الجرح والتعديل عند علماء المصطلح، وبدراسة العلماء للسيرة النبوية تبين أن قاعدة الجرح والتعديل التي اعتمدت في غربلة الأخبار، حاضرة في أحداث السيرة، وهكذا يكون قد تقرر لدى أهل الحديث وانطلاقا من السيرة النبوية مبدأ عام أسسوا عليه نظرية الجرح والتعديل.

5.   مسألة خبر الواحد وحجيته، وكما هو معلوم أن علم مصطلح الحديث موضوعه هو معرفة الصحيح من السقيم من الأحاديث، وهذا يكون في خبر الآحاد، أما المتواتر فلا إشكال فيه. وبما أن العلماء اشتغلوا على خبر الواحد وبحثوا في متنه وسنده، إلا وأنه حجة يعمل به ويؤخذ به.

    وقد قسم العلماء المتقدمين لعلم مصطلح الحديث خبر الواحد إلى صحيح وحسن وضعيف، وجل مباحث المصطلح دائرة على هذه الأقسام.

    ثم إن حجية خبر الآحاد استنبطها العلماء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ إلى اليمن، فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب"[16].

    هذه الحادثة تبين حجية خبر الواحد في نقل أمور الدين من عقيدة وعبادات ومعاملات. ولما ثبتت حجيته اشتغل علماء المصطلح بمباحثه من صحة وضعف وكيفية معرفة ذلك وغيرها، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ هو الصحيح..."[17]، ثم تأتي الأقسام الأخرى من الآحاد، فالشاهد في المسألة هو أن خبر الآحاد الذي ثبتت حجيته بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم أغلب مباحث علم المصطلح تدور حوله.

    وانطلاقا من هذه الأحداث ووقائع السيرة العطرة يمكن القول أن السيرة النبوية مصدر من مصادر علم مصطلح الحديث، ومنها قد استمد قوانينه واصطلاحاته وقواعده النقدية، كما يمكن القول أن السيرة النبوية شكلت منهجا علميا نقديا توزن به المرويات وتضبط به الأخبار، سمي هذا المنهج فيما بعد بعلم مصطلح الحديث.

    المسألة الثانية: علم المصطلح خادم للسيرة النبوية:

    لقد صاغ المحدثون قواعد نقدية دقيقة ضمن منهج واسع عرف بمصطلح الحديث، وبذلك سبقوا الإخباريين في التنظير والتقعيد لكيفية التفاعل مع الروايات بفحصها وتطبيق قواعدهم عليها لغرض الحكم عليها قبولا وردّا[18].

    فعلم المصطلح يُعنى بوضع القوانين والآليات المنهجية من أجل ضبط الرواية وتحرير ألفاظها مما قد يطرأ عليها من التحريف أثناء نقلها من راو لآخر.

   ونظرا لظهور المحدثين المبكر على ظهور الإخباريين، فإنهم تقدموهم في وضع قوانين الرواية، وقلدهم الإخباريون في طرائق العرض، فكلاهما يهتم بالسند من حيث الظاهر، لكن أسانيد المحدثون حَوَتْ رُوَّاةً تعرف سيرهم وتتميز أشخاصهم، أما أسانيد الإخباريين فَيَرِدُ فيها رواة لا نجد لهم في كتب التراجم ذكرا، وقد انتبه المحدثون منذ القرن الثامن الهجري إلى أهمية دراسة السيرة وفق مناهجهم بنقد أسانيدها ومتونها أمثال الذهبي وابن كثير، لكنهم غلّبوا إكمال نقد الأحاديث النبوية على أخبار السيرة لما يترتب على الأحاديث من أحكام شرعية[19].

    ولذلك نجد أغلب كتب السير تورد الصحيح والضعيف والموضوع من الأخبار، إذ المقصد التاريخي كان هو الحاكم لطريقة أدائهم.

    ثم إن عدم استعمال بعض المؤرخين لمنهج النقد الحديثي على مرويات السيرة يرجع إلى ما في ذلك من صعوبة وجهد في معرفة الرجال وأحوالهم، وفي إتقان علوم الحديث والتمرس على تطبيقها في النقد التاريخي[20]، وهذا ما أدى أحيانا إلى الخلط بين الرأي والرواية وعدم التوثق من صحة الأخبار التي تورد لنا التفاصيل الدقيقة في السيرة النبوية.

    من هنا نجد أن مرويات السيرة النبوية تنقسم قسمين:

1.   قسم ثابت ثبوت الأحاديث الأخرى، وأورده أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد بأسانيد مقبولة، وهذا النوع يؤخذ به بلا خلاف في الأحكام والدروس والعبر.

2.   وقسم آخر لم يثبت بمناهج المحدثين، ولا تسلم طرقه من جهالة أو إرسال أو إعضال في الأسانيد، وهذا القسم وإن كان لا يصلح العمل به في الأحكام، فإنه يذكر للاستئناس به في حالة الضعف، أو التنبيه عليه في حالة الوضع، ولا يؤخذ به بسبب ضعف الإسناد[21].

    وقد اشتملت كتب الحديث على قدر كبير من أحداث السيرة النبوية والتي خضعت للنقد الحديثي، ورويت بأسانيد مسندة متصلة، إلا أنها لا تورد تفاصيل المغازي والوقائع، عكس كتب السير والتاريخ التي جمعت أحداث السيرة النبوية بكل تفاصيلها وتوسعت في عرضها لكن بأسانيد منقطعة ومرسلة ولا يعرف حال رواتها، وبالتالي تبقى مصداقيتها محل نظر.

    من هنا تظهر أهمية علم المصطلح في مجال مرويات السيرة النبوية، فهو خادم لها؛ يوثق أحداثها بدراسة أسانيدها من حيث الاتصال والانقطاع، وأحوال رواتها من حيث الجرح والتعديل، وكذا ألفاظ متنها من حيث الغرابة ومعارضة الأصول وغير ذلك.

    فالسيرة النبوية بحاجة إلى قواعد علم المصطلح لكونها الأساس والنواة الأولى الذي بني عليها التاريخ الإسلامي، ومنها نستشف الأحكام والعبر والدروس، وأيضا لما لها من أثر قوي في تربية الأجيال الإسلامية وتحديد قيمها، فصار من اللازم التأكد من صحة المعلومات قبل تحليلها تربويا وقيميا[22].

ثانيا: السيرة النبوية منبع الفقه الإسلامي:

    يعدّ الفقه الإسلامي ركيزة من ركائز الحضارة الإسلامية، والقسم الأعظم من الدين الإسلامي، إذ هو العلم الذي يبحث لكل عمل عن حكمه الشرعي.

    ومعنى الفقه  في الاصطلاح: هو "معرفة الأحكام الشرعية"[23]، أما موضوعه فهو أفعال المكلفين وما يعرض لها من حل وحرمة ووجوب وندب وكراهة.

    وعلم الفقه يرجع تأريخه إلى بداية الدعوة الإسلامية وبدء الرسالة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تطور في عصر الخلفاء الراشدين فمن بعدهم، حتى ظهور الأئمة المجتهدين الذين قيض الله لهم من تلاميذهم من دوّن آراءهم الفقهية ومذاهبهم، ومن توسعوا في الاجتهاد ضمن أصول ومناهج الأئمة للتوصل إلى استنباط حكم شرعي لكل ما يتطلب حكما شرعيا من سلوك الناس الإرادي في الحياة[24].

    إن الفقه والتشريع الإسلامي كان في بدايته مستندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو المرجع الأول للفتاوى في أحكام الفقه الإسلامي، وذلك ببيانه صلى الله عليه وسلم لأحكام الله عن طريق أقواله وأفعاله وتعليمه لصحابته رضوان الله عليهم، فكان صلى الله عليه وسلم هو المرجع الأول للصحابة عندما يستشكل عليهم الأمر في مسألة، وذلك تحقيقا لقوله تعالى: ﴿فُإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ إِن ُكنتُمْ تُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: 59]. فالرسول صلى الله عليه وسلم هو المبين لوحي الله تعالى بأقواله وأفعاله وسيرته.

    يقول الإمام الدهلوي في كتابه الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: "وكان صلى الله عليه وسلم يستفتيه الناس في الوقائع فيفتيهم، وترفع إليه القضايا فيقضي فيها، ويرى الناس يفعلون معروفا فيمدحه، أو منكرا فينكر عليه، وما كل ما أفتى به مستفتيا عنه"[25].

    فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفتي للصحابة عندما يسألونه عن شيء ويشرع لهم ويبين حكم الله بما أنزل عليه من الآيات، أو بقوله أو بعمل يعمله أمامهم أو بإقراره صلى الله عليه وسلم لما فعلوه بحضرته.

    ومن ثَمَّ تعدّ السيرة النبوية العطرة الأساس الأول الذي بني عليه علم الفقه، والمصدر الأول الذي يرجع إليه فقهاء الإسلام لمعرفة حكم الله فيما يعرض من مسائل في حياة المسلم، إذ النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن من خلال سيرته أحكام هذا الدين، ووضح أوامر الله تعالى ونواهيه، لكونه هو المبلغ عن الله تعالى والمخبر عنه، ثم بعد ذلك جاء دور الفقهاء الذين اشتغلوا على ما صدر عن النبي من أحكام فقهية ودرسوها وبوّبوها، ليصبح الفقه علما قائما بذاته.

    يقول الإمام ولي الله الدهلوي رحمه الله: "اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن الفقه في زمانه الشريف مدونا، ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل بحث هؤلاء الفقهاء، حيث يبينون بأقصى جهدهم الأركان والشروط والآداب، كل شيء ممتازا عن الآخر بدليله، ويفرضون الصور من صنائعهم، ويتكلمون على تلك الصور المفروضة، ويحدّون ما يقبل الحد، ويحصرون ما يقبل الحصر، إلى غير ذلك، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يتوضأ فيرى أصحابه وضوءه، فيأخذون به من غير أن يبين هذا ركن، وذلك أدب، وكان يصلي فيرون صلاته فيصلون كما رأوه يصلي، وحج فرمق الناس حجه ففعلوا كما فعل، وهذا كان غالب حاله صلى الله عليه وسلم"[26].

    فسيرة النبي صلى الله عليه وسلم شكلت لنا الأحكام الفقهية العامة، وبينت كل ما يحتاجه المسلم في أمور دينه ودنياه، لكن ما ينبغي الإشارة إليه هو أنه عندما نقول السيرة النبوية مصدرا لعلم الفقه، فإننا نقصد السيرة التي خضعت للنقد الحديثي والتمحيص والغربلة من قبل النقاد، إذ الحكم لا يمكن أن يبنى على خبر لا تعرف صحته من ضعفه، ولا يعرف حال ناقله من جرح وتعديل، فالسيرة النبوية التي اعتمد عليها الفقهاء في بناء الأحكام الفقهية هي السيرة الموثقة والتي نجدها في الصحيحين وكتب السنن وموطأ الإمام مالك وغيرها من الكتب التي اشتغلت بتوثيق أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك نجد أغلب كتب السنة مرتبة حسب الأبواب الفقهية.

    إن العصر النبوي يعدّ أهم العصور الفقهية على الإطلاق، لأن التشريع الأساسي قد تم في هذا العصر، فقد كان الفقه في هذا العصر فقه الوحي، وباستقراء سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد أن الفقه النبوي مرّ بمرحلتين: مرحلة التشريع المكي والذي ركز الوحي فيه على العقيدة والأخلاق، ولم يتعرض للأحكام العملية إلا قليلا. ثم مرحلة التشريع المدني، والذي ظهرت بتأسيس الدولة الإسلامية الحاجة إلى التشريعات العملية التي تقوم عليها حياة الفرد والمجتمع.

    من هنا تكون السيرة النبوية مصدرا للفقه الإسلامي والأصل الذي يستند عليه كل فقيه أتى بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن النماذج التي أسوقها كشاهد على هذا ما يلي:

·       ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من جمعه للصلاة في السفر، وفي خروجه للغزوات، فقد روى الإمام مالك في موطئه عن أبي الزبير المكي، عن أبي الطفيل بن وائلة: أن معاذ بن جبل أخبرهم أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر جميعا، ثم قال: (إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي)، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم (هل مسستما من ماءها شيئا؟) فقالا: نعم، فسبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا)[27].

    فما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة كان تشريعا لرخصة الجمع بين الصلاتين في السفر، وقد اعتمد الفقهاء هذا الخبر في استنباط الأحكام من هذه الحادثة، وكان هو الأصل فيها. يقول الإمام الزرقاني في شرح هذا الحديث: "ففيه أن المسافر له أن يجمع نازلا وسائرا، وكأنه فعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز"[28].

·       مسحه صلى الله عليه وسلم على الخفين في غزوة تبوك، والتي جعل الإمام مالك رضي الله عنه خبر مسحه صلى الله عليه وسلم على الخفين أول ما يفتتح به باب ما جاء في المسح على الخفين في موطئه، فقد روى بسنده عن ابن شهاب عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب لحاجته في غزوة تبوك، قال المغيرة: فذهبت معه بماء، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسكبت عليه الماء، فغسل وجهه ثم ذهب يخرج يديه من كمى جبته، فلم يستطع من ضيق كمى الجبة، فأخرجهما من تحت الجبة، فغسل يديه ومسح برأسه ومسح على الخفين، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الرحمان بن عوف يؤمهم، وقد صلى بهم ركعة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة التي بقيت عليهم، ففزع الناس، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أحسنتم)[29].

    يقول الإمام الزرقاني: "(ومسح على الخفين): محل الشاهد من الحديث، وفيه رد على من زعم أن المسح عليهما منسوخ بآية المائدة، لأنها نزلت في غزوة المريسع، وهذه القصة في غزوة تبوك بعدها باتفاق، إذ هي آخر المغازي، ثم المسح على الخفين خاص بالوضوء لا مدخل للغسل فيه بإجماع"[30].

    فهذا دليل على أهمية السيرة في بناء الأحكام، وأن أحداثها هي المحددة لما نسخ من التشريع ومما هو ثابت، وذلك بتتبع تاريخ أحداثها، وأنها هي الأصل التي يرجع إليها في ذلك.

·       تحريم لحوم الحمر الإنسية: فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم تحريمها يوم خيبر، وصح عنه تعليل التحريم بأنها رجس، ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "صبحنا خيبر بكرة، فخرج أهلها بالمساحي، فلما بصروا بالنبي صلى الله عليه وسلم قالوا: محمد والله، ومحمد والخميس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، فأصبنا من لحوم الحمر، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس"[31]، فنجد الفقهاء استنبطوا حكم تحريم لحوم الحمر الإنسية من خلال نهي النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في غزوة خيبر.

    بهذا تكون السيرة النبوية مصدرا أساسيا لعلم الفقه، ومنبعا للفقهاء يستنبطون منها أحكام هذا الدين.

ثالثا: السيرة النبوية مصدر لعلم أصول الفقه:

    إن علم أصول الفقه من العلوم الأصيلة التي قام عليها بناء المجتمع الإسلامي منذ عهد النبوة إلى الآن، وذلك لكونه يضبط القواعد التي تبنى عليها أحكام هذا الدين والمنهج التي تقام عليه الشريعة الإسلامية.

    وقد نشأ علم الأصول مع نشأة علم الفقه، وبالتالي مع بداية التشريع، وذلك لأن أصول الفقه هو المنهج الذي يحكم نظر الفقيه ويضبط آراءه واجتهاداته وفتاواه، وهو المنهج الاستدلالي للفقه أي أنه الأصول الثابتة المسلمة لدى الفقيه التي تنطلق منها آراؤه وأقواله[32]، فالفقه وأصوله مرتبط كل منهما بالآخر ارتباطا وثيقا، فعلم الأصول أساس الفقه، وعلم الفقه ثمرة علم الأصول.

    وأصول الفقه هو:"ما انبنت عليه معرفة الأحكام الشرعية"[33].

    إن علم الأصول آلية يعتمد عليها الفقيه من أجل استنباط الحكم الشرعي، وبما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان هو الفقيه الأول والمبين لأحكام هذا الدين، فإن أصول الفقه بدأت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما نلمسه في كثير من الوقائع التي وصلت إلينا من سيرته العطرة، حيث نجد في السيرة النبوية أصل بعض المباحث الأصولية الكبرى كالاجتهاد والقياس وغيرها.

·       الاجتهاد:

    يقول أبو حامد الغزالي في كتابه "المستصفى" في تعريف الاجتهاد: "وهو عبارة عن بذل لمجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال...وهو في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب"[34].

  من خلال هذا القول يتضح أن الاجتهاد وسيلة من وسائل استخراج الحكم الشرعي، وبالتالي ترجع بداية نشوءه إلى بداية التشريع زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك نجد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على اجتهاده في المسائل التي لم يرد فيها وحي من الله تعالى، وكذا تأهيله صلى الله عليه وسلم لأصحابه للاجتهاد وإقراره على اجتهاداتهم. ومن النماذج التي تعتبر مصدرا لهذا المبحث الأصولي؛ اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في أسرى بدر، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (ما ترون في هؤلاء الأسارى؟) فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى؟ يا ابن الخطاب؟) قلت: لا، والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنّي من فلان (نسيبا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) –شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم-، وأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍ أَن يَّكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الاَرْضِ﴾ [الأنفال: 67]، إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّباً﴾ [الأنفال: 69]، فأحل الله الغنيمة لهم[35].

    فواقعة قبول النبي صلى الله عليه وسلم الفداء من أسرى بدر، تدل على جواز الاجتهاد ومشروعيته، إذ اجتهد أبو بكر وعمر، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر، ثم نزل القرآن معاتبا على ترك الأفضل، بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍ أَن يَّكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الاَرْضِ﴾ [الأنفال: 67 قال الإمام النسفي رحمه الله في تفسيره لهذه الآيات: "وكان هذا اجتهادا منهم؛ لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم، وأن فداءهم يتقوّى به على الجهاد، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام، وأهيب لمن وراءهم"[36].

    وكذلك الاجتهاد الذي وقع من الصحابة رضوان الله عليهم، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك في غزوة بني قريظة، فقد ورد في كتب السيرة العطرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع إلى المدينة من الأحزاب، وفي ذلك اليوم جاءه جبريل عليه السلام عند الظهر، وهو يغتسل في بيت أم سلمة، فقال: أوقد وضعت السلاح؟ فإن الملائكة لم تضع أسلحتها، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، فانهض بمن معك إلى بني قريظة، فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم، وأقذف في قلوبهم الرعب، فسار جبريل في موكبه من الملائكة. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن في الناس، من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأعطى الراية علي ابن أبي طالب، وقدمه إلى بني قريظة فسار علي حتى إذا دنا من حصونهم سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في موكبه من المهاجرين والأنصار، حتى نزل على بئر من آبار قريظة يقال لها بئر "أنا"، وبادر المسلمون إلى امتثال أمره، ونهضوا من فورهم، وتحركوا نحو قريظة، وأدركتهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصليها إلا في بني قريظة كما أمرنا، حتى أن رجلا منهم صلوا العصر بعد العشاء الآخرة، وقال بعضهم: لم يرد منا ذلك، وإنما أراد سرعة الخروج، فصلوها في الطريق، فلم يعنف واحدة من الطائفتين[37].

    فالصحابة رضوان الله عليهم اجتهدوا في فهم إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة في بني قريظة، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم اجتهادهم، فلم ينكر على أحد منهم. وهذا دليل على مشروعية الاجتهاد، وعليه أسس علماء الأصول مبحث الاجتهاد.

    ومما يدل أيضا على أن السيرة مصدر للأصول، وأن مبحث الاجتهاد قُرِّر في عصر النبوة، ما دونته كتب السيرة النبوية فيما يخص حادثة إرسال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم له على كيفية قضاءه. فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله"[38].

·       القياس:

    يعتبر مبحث القياس ركن من أركان علم أصول الفقه، لما يتميز به من المرونة في بيان أحكام المسائل والنوازل التي لم تتناولها النصوص الشرعية، وبهذا تتحقق قاعدة "صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان"، حيث تعطي لكل حادثة جديدة حكما شرعيا يناسبها.

    والقياس عند الأصوليين هو: "حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيه عنهما"[39]، فالمجتهد عندما تعرض له مسألة يبحث في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد يستعمل القياس ويلحق المسألة بنص ثابت من كتاب أو سنة.

    وهذا ما نجد أصله ومشروعيته مستمدة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قاس رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل –وفي رواية امرأة- إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم أفأقضيه عنها؟ قال: (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟) قال نعم، قال: (فدين الله أحق أن يقضى)[40]، فهنا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاس حقوق الله على حقوق العباد في وجوب القضاء.

    وكذلك قياس النبي صلى الله عليه وسلم لقبلة الصائم على المضمضة في أنها مقدمة للفطر ولكنها لا تفطر، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال: هششت فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما فقبلت وأنا صائم، قال: (أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟)[41].

    من خلال هذه النماذج يتبين أن أصول الفقه كانت حاضرة في العصر النبوي، وأن السيرة النبوية كانت هي مصدر هذا العلم لكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الفقيه الأول والمبلغ لأحكام الله تعالى، والفقيه آليته في الاستنباط هي أصول الفقه، وبالتالي نجد علم الأصول أهم مبادئه ومباحثه الكبرى موجودة ومستنبطة من السيرة النبوية العطرة، وهي المصدر الأول له ومنها استمد مشروعية أدلته.

    وختاما يمكن القول أن السيرة النبوية أساس علم الفقه والأصول ومصطلح الحديث، ومنها استمدوا قوانينهم الكبرى وأهم مباحثهم، وانطلاقا مما وصل إلينا من عصر النبوة من خلال كتب السيرة بنى العلماء أصول علمهم، فلا نكاد نجد علما إلا واستمد من السيرة النبوية العطرة مشروعية مباحثه، فالعلوم الإسلامية ما هي إلا امتداد لما كان زمن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، ثم تطورت عبر العصور ليصبح كل علم قائم بذاته له أسسه وقواعده وقوانينه واصطلاحاته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  السيرة النبوية لابن هشام، علق عليها وخرج أحديثها عمر عبد السلام تدمري ، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1/5.

[2] فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، الحافظ العراقي، المكتبة العصرية –بيروت- ، سنة الطبع 1434هـ/2013، ص:9.

[3] علم الجرح والتعديل أهميته وتاريخه وقواعده، عاطف أحمد أمان، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، العدد الثاني ، 1407هـ/ 1987م، ص:419.

[4] صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها، رقم 5191. دار ابن كثير دمشق –بيروت، الطبعة الأولى 1423هـ/2002م، ص: 1322-1323.

[5] الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير، أحمد شاكر، دار الكتب العلمية-بيروت-، الطبعة الأولى، ص: 23.

[6] صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة، رقم 2942. اعتنى به أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، دار طيبة، الطبعة الأولى 1427هـ/2006م، 2/1346.

[7] تيسير مصطلح الحديث، محمود طحان، مكتبة المعارف، الطبعة العاشرة1425هـ/2004م، ص: 121.

[8] فتح المغيث، الحافظ العراقي، ص: 141-142.

[9] صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه، رقم: 818، 1/365-366.

[10] صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه، رقم 820، 1/366-367.

[11] مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، للحافظ أبي عمرو الشهروزي المعروف بابن الصلاح، تحقيق  عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية –بيروت-، 1433هـ/2012م. ص: 13.

[12] صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرني العدوي رضي الله عنه، رقم 3686، ص: 906.

[13] صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا، رقم 6032، ص: 1512.

[14] نزهة النظر شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، للحافظ ابن حجر العسقلاني، دار الفكر لبنان-بيروت، سنة الطبع: 1428هـ-1429هـ/2008م، ص: 86-87.

[15] جامع الأصول في أحاديث الرسول، لابن الأثير الجزري، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة الحلواني، 1389هـ/1969م، ج1/ص: 126.

[16] صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن، رقم: 4347، ص: 1063.

[17] نزهة النظر شرح نخبة الفكر، لابن حجر، ص: 32.

[18] مرويات السيرة النبوية بين قواعد المحدثين وروايات الإخباريين، أكرم ضياء العمري، ص: 1.

[19] المصدر نفسه، ص: 9-10.

[20] السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية، أكرم ضياء العمري، مكتبة العلوم والحكم للنشر –المدينة المنورة-، الطبعة السادسة 1415هـ/1994م،1/ 70.

[21] مصادر روايات السيرة عند المؤرخين –عرض ومناقشة-، دنيا عبد علي الشمري، مجلة آداب البصرة، العدد 86- 2018م.

[22] مرويات السيرة النبوية بين قواعد المحدثين وروايات الإخباريين، ص: 11.

[23] إحكام الفصول في أحكام الأصول، أبو الوليد الباجي، تحقيق عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية 1415ه/1995م، 1/175.

[24] الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم، عبد الرحمان حبنكة الميداني، دار القلم –دمشق-، الطبعة الأولى 1418هـ/1998م، ص: 505.

[25] الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، ولي الله الدهلوي، راجعه عبد الفتاح أبو غدة، دار النفائس، الطبعة الثالثة 1406هـ/1986م، ص: 18.

[26] المصدر نفسه، ص: 15-16.

[27] شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، محمد بن يوسف الزرقاني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث –القاهرة-، سنة الطبع 1427هـ/ 2006م، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، رقم 326، 1/408.

[28] المصدر نفسه، 1/410.

[29] شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين، رقم: 70، 1/112.

[30] المصدر نفسه، 1/113.

[31] صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم: 4198، ص: 1031.

[32] مرتقى الوصول إلى تاريخ علم الأصول، موسى بن محمد بن يحيى القرني، سنة الطبع 1414هـ، ص: 10.

[33] إحكام الفصول في أحكام الأصول، أبو الوليد الباجي، 1/175.

[34] المستصفى من علم الأصول، أبو حام الغزالي، تحقيقعبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، ص: 527.

[35] صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا نورث ما تركنا فهو صدقة)، رقم: 1761، 2/844.

[36] تفسير النسفي مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لأبي البركات محمود النسفي، تحقيق يوسف علي بديوي، دار الكلم الطيب –بيروت-، الطبعة الأولى 1419هـ/1998م، 1/657.

[37] الرحيق المختوم، صفي الرحمان المباركفوري، فضاء الفن والثقافة للنشر، ص: 228.

[38] سنن أبي داوود، الإمام الحافظ أبي داوود السجستاني، تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد كامل قره بللي، دار الرسالة العلمية، طبعة 1430هـ/2009م، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، رقم: 3592، 5/444.

[39] المستصفى من علم الأصول، أبو حامد الغزالي، ص: 436.

[40] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، رقم: 1953، ص: 470.

[41] سنن أبي داوود، كتاب الصوم، باب القبلة للصائم، رقم: 2385، 4/60.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -